السيد محمد حسين الطهراني
23
معرفة المعاد
العجوز كيساً من الذهب جائزةً له ، ثم اخرج عنه . وحين أرادوا اخراج العجوز من البلاط رفع صوته في أنين واهن ضعيف قائلًا : ردّوني إلى هارون فلدي معه كلام . قالوا : لا إمكان في ذلك . قال : لا بدّ من رجوعي اليه ، فلديّ سؤال ينبغي أن أسأله منه ثم أخرج . وهكذا أعادوا الزنبيل وفيه العجوز إلى هارون ، فقال : ما الأمر ؟ قال العجوز : لدي سؤال . قال هارون : قُلْ . فقال : أيّها السلطان ! أعطاؤك الذي تفضّلتَ به علي اليوم لهذه السنة فقط أم هو عطاء يتجدّد كلّ عام ؟ فتعالت قهقهة هارون وقال متعجّباً : صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ( صلّى الله عليه وآله ) ؛ يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَتَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَطُولُ الأمَلِ . انّ هذا العجوز لا رمق له ، ولم أكن لأظنّ انّه سيبقى حيّاً حتّى خروجه من البلاط ، وها هو يقول : أهذا العطاء مختصّ بهذه السنة أم انّه عطاء لكلّ سنة . لقد أوصله الحرصُ على زيادة المال وطولُ الأمل إلى أن صار يتوقّع لنفسه عمراً فهو في صدد أخذ عطاء جديد . بلى ، هذه هي نتيجة عدم تربية النفس الانسانية بالأدب الإلهي ، ممّا دعى بالحرص والأمل إلى بسط نفوذهما في وجود الانسان في طيف واسع متزايد لا حدّ له ليقف عنده . امّا أولئك الذين ترحّلوا بمتاعهم إلى العالم الباقي ، وأمّلوا قلوبهم بالكليّة والأبدية ، وذلك بإيمانهم بالمبدأ الأزلي الأبدي والنزوع إلى الوجود السرمدي لحضرة ذي الجلال والإكرام ، أولئك الذين يضعون - بالعمل الصالح - أسلوب حياتهم على أساس العدل والإنصاف ، فانّ